الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
276
مناهل العرفان في علوم القرآن
الشبهة الرابعة يقولون : ورد أن عبد اللّه بن مسعود قال : « يا معشر المسلمين . أعزل عن نسخ المصاحف ، ويتولّاه رجل - واللّه - لقد أسلمت وإنه لفى صلب رجل كافر ؟ » ا ه قالوا : وهو يعنى بهذا الرجل زيد بن ثابت ، ويريد بذلك الكلام الطعن على جمع القرآن . وهذا يدلّ بالتالي على أن القرآن الموجود بين أيدينا ليس موضع ثقة ، ولم يبلغ حدّ التواتر . [ وننقض شبهتهم هذه . ] ( أولا ) بأن كلام ابن مسعود هذا - إذا صحّ - لا يدل على الطعن في جمع القرآن ، إنما يدل على أنه كان يرى في نفسه أنه هو الأولى أن يسند إليه هذا الجمع ، لأنه كان يثق بنفسه أكثر من ثقته بزيد في هذا الباب . وذلك لا ينافي أنه كان يرى في زيد أهليّة وكفاية للنهوض بما أسند إليه ، وإن كان هو في نظر نفسه أكفأ وأجدر . غير أن المسألة تقديرية . ولا ريب أن تقدير أبى بكر وعمر وعثمان لزيد أصدق من تقدير ابن مسعود له . كيف وقد عرفت فيما سبق مجموعة المؤهلات والمزايا التي توافرت فيه ، حتى جعلته الجدير بتنفيذ هذه الغاية السامية . أضف إلى ذلك أن عثمان ضمّ إليه ثلاثة ، ثم كان هو وجمهور الصحابة مشرفين عليهم مراقبين لهم ، وناهيك في عثمان أنه كان من حفاظ ومعلمي القرآن ! . وخلاصة هذا الجواب أن اعتراض ابن مسعود - على فرض صحّته - كان منصبّا على طريقة تأليف لجنة الجمع ، لا على صحة نفس الجمع . مع أن كلمة ابن مسعود السالفة لا تدل على أكثر من أنه كان يكبر زيدا بزمن طويل ، إذ كان عبد اللّه مسلما وزيد لا يزال ضميرا مستترا في صلب أبيه . وليس هذا بمطعن في زيد ، فكم ترك الأول للآخر . ولو كان الأمر بالسن لاختل كثير من نظام الكون . ثم إن كلمة